وكالة الأنباء العراقية المستقلة بغداد ,,
قراءة سيسيولوجيا في الخطاب الإنساني
والإداري للدكتور عقيل مفتن
الدكتور ثامر الناصري ,,
ليست القيادة في جوهرها سلطةً تُمارس،
ولا منصبًا يُشغل، ولا مكتبًا تتراكم فوقه الملفات. فالقيادة الحقيقية تبدأ من
لحظةٍ يصبح فيها الإنسان قيمةً عليا، وتتحول المسؤولية إلى التزام أخلاقي قبل أن
تكون واجبًا إداريًا. ومن هنا، فإن أعظم المؤسسات ليست تلك التي تمتلك المال
الوفير، وإنما تلك التي تمتلك ضميرًا حيًا، يدرك أن الإنسان هو الثروة الأولى، وأن
بناء المستقبل يبدأ بحماية من صنعوا الماضي.
في هذا السياق يمكن قراءة تجربة
الدكتور عقيل مفتن، رئيس اللجنة الأولمبية الوطنية العراقية، بوصفها تجربةً تتجاوز
الإدارة التقليدية إلى بناء خطاب إنساني يسعى إلى إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة
الرياضية والرياضي العراقي.
فالخطاب، وفق المنظور السيسيولوجي، ليس
مجرد كلمات أو بيانات رسمية، بل هو منظومة من العلامات التي تكشف فلسفة المؤسسة
وهويتها. وعندما يصبح السؤال الأول داخل المؤسسة: كيف نحفظ كرامة الرياضي؟ فإننا
أمام علامة ثقافية مختلفة، تعيد ترتيب أولويات العمل المؤسسي.
ولعل أكثر العلامات دلالة في هذه
التجربة هو الاهتمام المتواصل بالحالات الإنسانية للرياضيين القدامى الذين أنهكتهم
الأمراض أو ضاقت بهم الظروف المعيشية. إن متابعة أحوالهم، والاتصال بهم،
واستقبالهم، والسعي إلى مساعدتهم، حتى في ظل محدودية الموارد المالية، يمثل فعلًا
رمزيًا تتجاوز قيمته الجانب المادي. فهو يرسل رسالة مفادها أن الرياضي لا تنتهي
علاقته بالمؤسسة بانتهاء سنوات المنافسة، بل يبقى جزءًا من ذاكرتها وواجبها
الأخلاقي.
في علم العلامات، تصبح مثل هذه
الممارسات رموزًا تؤسس لثقافة الوفاء. وهي ثقافة لا يمكن فرضها بقرار إداري، بل
تُبنى بالممارسة اليومية، وبالسلوك الذي يسبق الخطاب.
لقد ظل الرياضي العراقي سنوات طويلة
يشعر، في كثير من الأحيان، بأن لحظة الاعتزال تعني انقطاع الصلة بالمؤسسة التي
خدمها. أما حين تتحول المؤسسة إلى مساحة للرعاية والاحتضان، فإنها تنتج معنى
جديدًا للانتماء، قوامه أن خدمة الوطن ليست علاقة مؤقتة، وأن الوفاء قيمة مؤسسية
وليست مبادرة عابرة.
ومن زاوية أخرى، تبدو محاولة إعادة
تنشيط الحركة الرياضية العراقية أقرب إلى مشروع لإعادة بناء الثقافة المؤسسية.
فالتحول من الركود إلى العمل المنظم لا يتحقق بالشعارات، بل بإعادة تعريف
المسؤولية، وبترسيخ الاحتراف، وبناء بيئة تجعل الإنجاز نتيجةً طبيعية للعمل
المتواصل.
وفي هذا الإطار، برزت مبادرة «البطل
الأولمبي» بوصفها إحدى العلامات الدالة على رؤية مختلفة لتحفيز الرياضيين.
فالإعلان عن تخصيص مكافأة قدرها مليون دولار لكل لاعب يحقق ميدالية أولمبية يعكس
تصورًا يربط بين قيمة الإنجاز وقيمة التقدير، ويبعث برسالة إلى الأجيال الجديدة
مفادها أن التفوق الأولمبي ليس حلمًا بعيدًا، بل هدف يستحق أن تُسخَّر له
الإمكانات والحوافز.
إن القيمة السيميولوجية لهذه المبادرة
لا تكمن في الرقم وحده، بل في ما يحمله من معنى رمزي؛ فالمكافأة هنا تتحول إلى
علامة ثقافية تؤكد أن الإنجاز الرياضي أصبح جزءًا من مشروع وطني، وأن البطل
الأولمبي يمثل استثمارًا في صورة العراق أمام العالم.
كما يلفت الانتباه اهتمام رئاسة اللجنة
الأولمبية بمتابعة الاتحادات الرياضية، والاطلاع المستمر على برامجها ونتائجها،
وتشجيعها على تطوير الأداء. إن هذا النوع من المتابعة لا يمكن اختزاله في كونه
إجراءً إداريًا، بل هو أحد عناصر بناء ثقافة المساءلة والإنجاز، حيث يصبح النجاح
معيارًا للتقييم، ويصبح التخطيط جزءًا من الممارسة اليومية.
ومن منظور ثقافي، فإن المؤسسة الرياضية
لا تنتج الميداليات فقط، بل تنتج رموزًا ومعاني وهوية وطنية. وكل إنجاز يتحقق في
بطولة قارية أو عالمية أو أولمبية لا يمثل رقمًا في سجل الإحصاءات فحسب، بل يضيف
علامة جديدة إلى صورة العراق في الوعي الجمعي.
إن المؤسسات التي تنجح في صناعة
الأبطال هي ذاتها المؤسسات التي تنجح في صناعة الأمل. والأمل، في النهاية، ليس
مفهومًا عاطفيًا، بل قوة اجتماعية تدفع الشباب إلى الإيمان بأن الاجتهاد يمكن أن
يقود إلى التميز، وأن الدولة ومؤسساتها تقدر من يرفع اسم الوطن.
وبطبيعة الحال، فإن أي مشروع إصلاحي
يواجه تحديات واختبارات، ولا يمكن الحكم عليه إلا بما يحققه على المدى المتوسط
والبعيد. غير أن المؤشرات التي تظهر من خلال الاهتمام بالرياضيين، وتحفيز الإنجاز،
ومتابعة الاتحادات، والعمل على تطوير الأداء المؤسسي، تعكس رؤية تسعى إلى إحداث
تحول في الثقافة الإدارية والرياضية.
إن العراق يمتلك تاريخًا رياضيًا
غنيًا، وطاقات بشرية قادرة على المنافسة إذا توفرت لها البيئة المناسبة. ومن هنا،
فإن أي جهد يهدف إلى بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وترسيخ ثقافة الاحتراف، وتعزيز رعاية
الرياضيين، يمثل خطوة تستحق الدراسة والتقييم، لأنها تمس حاضر الرياضة العراقية
ومستقبلها.
وفي النهاية، تبقى قيمة أي قائد فيما
يتركه من أثر داخل المؤسسة وفي حياة الناس. فإذا استطاعت المؤسسة أن تمنح الرياضي
شعورًا بالكرامة، وأن تحفزه على الإبداع، وأن تبني بيئة تقوم على المسؤولية
والاحتراف، فإنها تكون قد وضعت أساسًا لمسار جديد، تتجاوز فيه الرياضة حدود
المنافسة، لتصبح مشروعًا وطنيًا لبناء الإنسان، وتعزيز الانتماء، وصناعة الأمل |